الشيخ محمد الصادقي
304
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
الأرض ، عظمة خيالية وخارجة عن طبيعة الرسالة ، بل ومنافية لها غير مواتية معها وقد اعتبروها أصلا ومحورا للتفاضلات فلتتّبعه فضيلة السماء ولكن « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » يجعلها فيما لها سند من داخله ، مساندا لها غير معاند ، الخليق المتجرد عن كافة العلاقات والصلات إلا باللَّه ، فلم يختره زعيما ولا صاحب مال أو منال ، لكي لا تلتبس واحدة من قيم الأرض بقيم السماء ، ولا تزدان هذه الدعوة بحلية من حلي الأرض ، أو حيلة من حيلها ، دونما صلة بينهما إلا إغراء لها بمصاحب خارج عن ذاتها المجردة ، فلا يدخلها طامع ولا يتنزه عنها متعفف . فالدعوة الرسالية مجردة عن كل دعاية إلا الحقيقة البارزة من ذاتها ، والحق البارز في دعاتها ، حق يحمل حقا ناصعا صارما إلى من يتحرى عن الحق المطلق ، دونما تدجيل ودعاية زائدة تظهر الرسالة بمظهر أعلى مما هي ، كما لا تقصر فيها لتخفيها عما هي . و « رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ » هو الوليد بن المغيرة المكي وأبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي الطائفي ، أمن ذا من الزعماء الأثرياء دوي الأنفة والكبرياء ، ولو أنزل هذا القرآن على رجل منهما ، لأصبحت الرسالة السماوية التي هي للمستضعفين في أصلها ، أصبحت للمستكبرين ، أن يجتلبوا أضرابهم إليها ، أم ويخونوا في الدعوة لها ، فإنها تناحر الأثرة والكبرياء ، وتنافر المستأثرين الكبراء . والقرآن يجيب عن هذه التطرفة الحمقاء ، والتطلبة الخواء « أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ » الرحمة التي ربتك حتى أصبح قلبك المنير مشرقا ، تلك الرحمة العليا الروحية من رسالة السماء ، أهم يعرفونها حتى يقسموها ، ولو عرفوها ولن ! فهي رحمة ربك ، فهو الذي يقسمها كما يشاء لمن يشاء ف « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » فلا يجعلها في قلوب خاوية عن الحق ،